دراسات | هل كانت الأنظمة العربية علمانية؟.



في خطاب سبتمبر 1981 الشهير وصف الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات نفسه بأنه “رئيس مسلم لدولة إسلامية”. وفي نفس الخطاب تهكم السادات على معارضيه من حزب التجمع اليساري العلماني واصفًا المنتسبين إليه “بالملحدين”. وسبق ذلك بنحو عام تعديل المادة الثانية في الدستور المصري لتنص على أن “الإسلام هو دين الدولة ومبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع” بعد أن كانت مجرد مصدر من مصادر التشريع في دستور عام 1971.

لم تكن تلك النصوص الدستورية مجرد حبر على الورق، بل أخذت طريقها إلى التطبيق الفعلي خلال السبعينات الميلادية، وذلك في المؤسسات الثقافية والتعليمية وحتى التشريعية، إذ عكف مجلس الشعب المصري برئاسة رئيس المجلس آنذاك الدكتور صوفي أبو طالب على إعداد مشروع ضخم لتقنين الشريعة الإسلامية تمهيدًا لتطبيقها.

و مع ذلك لم تكن تلك الصبغة الدينية القوية التي غلف بها السادات مصر في السبعينات كافية لحمايته من غدر الإسلاميين. ذلك أنه وبعد أسابيع قليلة من خطابه الشهير كان على موعد مأساوي مع الاغتيال على يد الجماعات الإسلامية. كذلك لم يكن تضمين الدستور نصوصًا تقر الهوية الدينية للدولة كافيًا لإثناء الإسلاميين عن رفع شعارهم الشهير في السبعينات والثمانينات “الإسلام هو الحل”. وفي الواقع لم تكن “مصر السادات” هي الدولة العربية الوحيدة التي إختلط فيها الدين والدولة دستوريًّا. فحتى أكثر الدول العربية التي توصم بالعلمانية كـ”تونس بورقيبة” و”عراق البعث” و”الجزائر الاشتراكية” ظلت دساتيرها تنص على أن الإسلام هو دين الدولة وفي أغلب الأحيان تنص على ضرورة أن يكون رأس الدولة مسلمًا وهذه مواد دستورية تتناقض مع فكرة علمانية الدولة.

نصوص الدساتير والواقع العملي

قد يجادل البعض هنا بأن مجرد ورود نصوص دستورية تنص على إسلامية الدولة لا يعني بالضرورة أنها طبقت على أرض الواقع، وأن هذه النصوص هي في الأغلب جزء من لعبة سياسية. و هذا رأي قد يحمل درجة من الصحة ولكنه أيضًا يتناقض مع حالات كثيرة رضخت فيها الدولة في العالم العربي إلى رغبات المؤسسات الدينية في قضايا جدلية، وفرضت فيها الفتوى الدينية سطوتها على القانون.

من الأمثلة على ذلك حظر رواية المؤلف السوري حيدر حيدر “وليمة لأعشاب البحر” في عدة دول عربية، وحكم القضاء المصري بردة المفكر نصر حامد أبوزيد وتفريقه عن زوجته، ومحاكمة الشاعر الأردني موسى الحوامدة في الأردن بتهمة الردة، وقبل ذلك بعقود طويلة، وخلال العصر الليبرالي العربي في عشرينات القرن الماضي كانت الحادثة الشهيرة التي قامت فيها مؤسسة الأزهر وبإيعاز من الملك فؤاد بسحب شهادة الشيخ الأزهري علي عبد الرازق بعد أن أشار في كتابه الشهير “الإسلام وأصول الحكم” بأن العلمانية لا تتنافى مع الإسلام.

وفي كل الأحوال فإنه يمكن القول بأن نموذج العلمانية الإقصائية التي تبعد الدين من الحياة العامة كما هي الحال في فرنسا وتركيا الكمالية لم يكن حاضرًا في معظم الدول العربية؛ ذلك أن القوانين التي تحظر الحجاب في الأماكن العامة، أو تمنع التعليم الديني في المدارس، أو ترفض إحياء المناسبات الدينية لم يكن لها حضور في حالة الدول العربية ربما باستثناء تونس.

رغم الوصف السائد بأن النظام المصري كان علمانياً، إلا أن القضاء فيه قد حكم بردة المفكر نصر حامد أبوزيد وتفريقه عن زوجته، ومحاكمة الشاعر الأردني موسى الحوامدة في الأردن بتهمة الردة
“العلمانية” التهمة المستمرة

ولقد ظلت تهمة “العلمانية” تلاحق الأنظمة العربية منذ نشأة الدول العربية في النصف الأول من القرن العشرين وحتى وصول الإسلاميين إلى الحكم في عام 2011. بل إن المفارقة أن الإخوان المسلمين في مصر والنهضة في تونس واللذان استمدا جزءًا من شعبيتهما في الماضي عبر الترويج لفكرة علمانية الأنظمة العربية وعدائها للإسلام طالتهما سهام الاتهام بالعلمنة عقب الوصول للحكم وذلك من قبل السلفيين والحركات الجهادية.

ولعل الأسباب الرئيسة التي ساهمت في الرواج الشعبي للتصور القائل بعلمانية الأنظمة العربية هي العداء المتبادل بين هذه الأنظمة وجماعات الإسلام السياسي أولاً ومسألة تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية ثانياً. بالنسبة للسبب الأول فإن العداء بين أنظمة الحكم العربية والإسلام السياسي يندرج تحت خانة الصراع السياسي، ولا يمكن اعتباره بأي حال من الأحوال عداءً تجاه الدين، والشواهد على ذلك عديدة لعل أبرزها هو التحالف وفي بعض الأحيان والتواؤم الوقتي بين جماعات الإسلام السياسي والأنظمة الحاكمة. ومن ذلك تحالف الإخوان المسلمين مع الضباط الأحرار عقب ثورة يوليو في مصر وحتى العام 1954 عندما دب الخلاف بين الطرفين.

وهنا ينبغي الإشارة إلى أن قمع وحظر المشاركة السياسية على الجماعات الدينية في العالم العربي لم يكن حصريًّا عليها بل كان جزءًا من ممارسات استبدادية وشمولية للأنظمة العربية شملت أيضًا حظر الأحزاب العلمانية الشيوعية والتي لاقى المنتسبون إليها صنوفًا من التنكيل في السجون قد يتجاوز ما لاقاه الإسلاميون. أما بالنسبة للسبب الثاني أي تطبيق الشريعة الإسلامية وهي القضية المركزية لكل جماعات الإسلام السياسي والمحرك الدعائي للأحزاب الإسلامية الحالية في العالم العربي فهي قضية فيها شيء من التضليل. فليس صحيحًا على الإطلاق ما يروج من أن أحكام القانون في معظم الدول العربية هي أحكام وضعية، فالقانون المدني المصري الصادر في عام 1948 والذي نقلته أو اعتمدت عليه دول عربية أخرى منها ليبيا والعراق وسوريا تتفق كثير من أحكامه التفصيلية مع الشريعة الإسلامية.

فمسائل الأحوال الشخصية -على سبيل المثال- وما يتعلق بقوانين الزواج والميراث والوصية والكثير من القوانين التجارية تتفق مع أحكام القرآن الكريم والسنة النبوية. وربما تكون المسألة الأبرز التي لا يتم فيها التطبيق الحرفي للشريعة هي مسألة تطبيق الحدود في القضايا الجنائية، وهي مسألة شرطية كما يرى المعارضون لتطبيقها من الفقهاء الدستوريين كالمستشار المصري محمد سعيد العشماوي تستلزم عدالة المجتمع واختفاء ظواهر اقتصادية كالبطالة والفقر.

فكرة الدولة المحايدة

وفي ورقة بحثية بعنوان “سياسة ذات مرجعية دينية بدون دولة إسلامية” صادرة عن معهد بروكنغز الدوحة، يفرق الباحث التركي أحمد كورو بين نمطين للعلمانية. علمانية إقصائية تستبعد الدين من الحياة العامة كما في تركيا سابقًا، وعلمانية سلبية تسمح بحرية الممارسة الدينية وترعاها. والأخيرة هي التي قصدها رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في تصريحاته التي أثارت حنق الإسلاميين خلال زيارته لدول الربيع العربي في صيف عام 2011 عندما أشار إلى أن الدولة العلمانية ليست ضد الدين وإنما تكفل الحريات الدينية.

ويقترح الباحث التركي أحمد كورو في نفس الورقة على الدول العربية تبني مصطلح الدولة المحايدة كبديل للدولة العلمانية نظرًا للحساسية التي قد يحملها البعض تجاه مصطلح العلمانية. والدولة المحايدة أو العلمانية السلبية تتبنى فيها السلطة السياسية موقفًا مستقلاً من المؤسسات الدينية ومحايدًا تجاه جميع الأديان وفي نفس الوقت تضمن الحرية الدينية لجميع المواطنين ويرى المفكر اللبناني جورج طرابيشي صيغتين للعلاقة بين الدولة والدين.


فإما أن تكون هناك روابط موصولة بين الدولة ودين محدد يحكمها ويقودها سياسيًّا (دولة ثيوقراطية) أو أن تدعم الدولة الدين وتقوده (دولة طائفية). وإما أن يكون هناك انفصال بين الدولة والدين متفاوت في حديته، فتكون بالتالي دولة علمانية. وإذا ما طبقنا صيغ العلاقة بين الدولة والدين التي يقترحها طرابيشي على العالم العربي و بالاستناد إلى التجارب التاريخية التي وردت في بداية هذا المقال لأمكننا القول بأن العلمانية بشكل عام ونموذج العلمانية الإقصائية بشكل خاص لم يتواجدا في العالم العربي إلا بشكل ضيق وفي إطار استبدادي بغرض حظر المنافسة السياسية وليس أيديولوجيًّا. كذلك يمكن القول بأنه لا يمكن للعلمانية الإقصائية أن تتواجد مستقبلاً في العالم العربي؛ بسبب ما يشكله الدين الإسلامي من مرجعية اجتماعية وثقافية للعرب. وفي مجتمعات متعددة عرقيًّا ودينيًّا بل وحتى مذهبيًّا بين أفراد الدين الواحد كما في العالم العربي تصبح فكرة العلمانية السالبة أو الدولة المحايدة التي تعكف على تقديم الخدمات للمواطنين، وتكفل حريتهم الدينية، وتتيح لهم الفرص المتساوية دون تفريق ديني أو عرقي هي طوق النجاة من خطر التقسيم والاحتراب الأهلي.

مجلة العرب الدولية
شاركه على جوجل بلس

عن Editor

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 التعليقات:

إرسال تعليق