مؤشرات في ظواهر تستهدف منظومة القيم للمجتمع السوري بقلم: محمد الشماع| مقال بحثي.

صورة تعبيرية




بقلم: محمد الشماع

ناشط سياسي باحث و مدير مركز بناء
 السلام و الديمقراطية، له عدة دراسات
 و مقالات رئيس تحرير مجلة التفكير لسوريا
هناك فرق كبير بين أن تتحول حضارة أو دولة ما عن مراكز الصدارة بين الدول و الحضارات إلى الخلف نتيجة طبيعية للمتغيرات العالمية كتصارع و تعاقب الثقافات و الحضارات و بين أن تنتهي نتيجة لانهيار منظومتها الأخلاقية و القيم و تصنف بين الدول و الحضارات القائمة كتصنيف سيء أو خارج عن الدور الفاعل و المكانة العالية بين هذه التصنيفات.
وقد وضع "ديورانت "الانهيار الأخلاقي والديني في مقدمة عوامل سقوط الحضارة، عندما رأى: أن الحضارات العظيمة لا تنهزم، إلا عندما تدمر نفسها من داخلها، وأن الأسباب الأساسية لانهيار بعض الحضارات يكمن في أخلاقيات شعبها، وصراع فئاته وطبقاته، والاستبداد الذي يعاني منه"
و قد برزت مؤشرات انهيار قيم و أخلاقيات عديدة يرجح البعض طفوها بسبب إخفاقات " ثورات الربيع العربي" و خاصة في الفترات التي تلت هذه "الثورات" من إخفاقات في تحقيق أهدافها و تحول العديد منها لصراعات مسلحة بأشكال مختلفة كنزعات أهلية و طائفية كما في سوريا و اليمن و ليبيا و كما أدى البعض منها إلى عدم استقرار كامل و اصطدام بواقع مغاير لما حملته هذه الثورات من شعارات لم تتحقق أصابت الكثير من الشعوب المتطلعة للتغيير للأفضل بخيبات أمل أدت في معظمها لنتائج عكسية في بنية القيم للشعوب التي خرجت طامحة بنظام سياسي حر و حياة اجتماعية أفضل.
التساؤلات دائما عن أسباب هذه الانهيارات العديدة في القيم و الأخلاقيات التي ظهرت بشكل واضح و جلي في مجتمعاتنا هل كانت موجودة سابقاً بشكل مخفي تحت غطاء استقرار  ومن ثم بسبب  الظروف و برزت لتظهر بشكلها الحالي أم هي وليدة هذه الازمات و الصرعات.
لا يمكن أبداً تحت أي ظرف كان أن نغفل أنها نتيجة تراكمات عديدة من ضغط ممارس لفترات من استبداد  أدى إلى فساد في عديد من المؤسسات التي انعكست بطبيعة الحال فساداً في القيم و الأخلاقيات على المؤسسة الأساسية  في أي مجتمع ألا و هي الأسرة و بالتالي المجتمع ككل .
في الحالة السورية لا يمكن لنا أن نغض الطرف عن واقع من فساد كان منتشراً في المجتمع لكن ظل طي الكتمان لكثير من ظواهره و قيد السيطرة و ذلك بسبب الإستقرار الأمني لسوريا طوال عقود، لكن ما إن بدأت الإحتجاجات في مطلع آذار من العام 2011م و تحولها إلى نزاع مسلح  و من ثم لحرب دولية و إقليمية و تصفية حسابات فيما بينها على الجغرافيا السورية حتى تأثر المجتمع السوري بشكل واضح و مثير للرعب في أحيان إخرى بهذه الحرب و طفت ظواهر كانت تعتبر غريبة على مجتمعنا السوري أو الحديث عنها يعتبر مستهجناً كما أصبح لهذه المرحلة مصطلحاتها الخاصة بها كالخطف و التعفيش و الغنائم و المصطلحات الطائفية و ..إلخ من كلمات لم يألفها مجتمعنا بشكل واضح سابقاً.
فالتأثر الذي أصاب مجتمعنا السوري و خاصة من أبناء الشعب البسيط بنخب متهاوية متأرجحة لم تتخذ موقفاً واضحاً راهنةً نفسها لما يستقر عليه الوضع السوري بالنهاية و إنتاج هذه النخب لتابعين متأثرين " بما أصاب النخب من تناقضات وسقطات واستهانة بالمبادئ الأساسية والأخلاقيات الراسخة دون وعي منهم".
لعل أبرز المؤشرات أهمية من ناحية الخطورة على المجتمع هي النواة لأي مجتمع ألا و هي الأسرة و العلاقات الإجتماعية و الأطر التي تنظمها و التي تأثرت بشكل كبير خلال السنوات السبع من عمر الأزمة السورية المستمرة للآن .
أموات أحياء مع ازدياد حالات الوفاة في سوريا كنتيجة مباشرة أو غير مباشرة للحرب الدائرة  و نتيجة للواقع الجغرافي الذي فرضته الحرب و تباعد التواصل فيما بين المناطق السورية المختلفة نظراً لتعدد السيطرة عليها من قبل اطراف الصراع  سواءً كانت معارضة مسلحة أو سيطرة الدولة السورية أو حتى مجموعات إرهابية كداعش ،إضافة للجوء الكثير من السوريين إلى خارج البلاد في الدول المجاورة و مخيمات اللجوء في تركيا و لبنان و الأردن و الدول الأوربية و بعد التواصل أو حتى غالباً فقدان التواصل بشكل نهائي، سمح لحالة  التزوير و نقل الملكيات و توفية الأقارب حتى ضمن الأسرة الواحدة بين الأخوة أو رب الأسرة أو أولاد العم طمعاً بالتركة أو بممتلكات هذا الفرد من الأسرة أو ذاك و المثير بالموضوع أنها ليست حالات فردية و إنما حسب الأرقام التي كشفت عن دعاوى التزوير و توفية الأقارب في أروقة المحاكم السورية تكشف عن خلل كبير في بنية المنظومة الأخلاقية و القيمية التي كانت تحكم المجتمع السوري فيشيب شعر الرأس من القصص التي يتم تداولها عن هذه الظواهر التي باتت منتشرة بشكل يثير الرعب داخل المجتمع السوري ، و الذي ساهمت  بنسبة كبيرة الفوضى المنتشرة و الثغرات في القوانين السورية .
و ليس ببعيد عن الهجمة تلو الأخرى من انهيارات في القيم و المبادئ التي يقوم عليها التي تصيب المجتمع السوري نتيجة لحرب عبثية وقودها البشر و القيم و الأخلاق التي تعتبر الأواصر الآمنة في نظم أي مجتمع .
لن نبتعد عن أروقة المحاكم فهي مرآة أي مجتمع تعكس جانب من حقيقة لا يريد الكثير منا أن يعترف بوجودها أو يغض الطرف عنها متذرعاً بأولويات عديدة تفرضها ظروف الحرب في سوريا.
143%نسبة مرتفعة جداً كنسبة للطلاق في سوريا و ذلك بحسب الإحصائيات الموجودة في المحكة الشرعية كما لوحظ إزدياد في دعاوي الطلاق على إختلافاتها ففي السنوات التي سبقت الأزمة كانت توثق 3 ألاف حالة طلاق في العام الواحد لكن مع دخول الأزمة عامها السابع إرتفعت مؤشرات الطلاق في العام الواحد إلى 7300 حالة و بحسب القاضي الشرعي الأول "محمود معراوي" أن نسبة الطلاق إلى الزواج في العام 2010 كانت تبلغ 26% بينما في العام 2016 بلغت مؤشر 143% كمؤشر يعتبر خطير و ذلك للأسباب التي أدت إلى حالات الطلاق و مدى إنعكاسها على الجيل و المجتمع لا شك أن الأسباب التي أدت للطلاق إزدادت خلال الأزمة و برزت أسباب جديدة كاللجوء و الإختلاف السياسي أو سهولة حصول المرأة و أطفالها على اللجوء.
عدا عن حالة الانقسام الحادة في المجتمع السوري و خاصة بين جيل الشباب و تقديم الأولوية المادية الجشعة على حساب القيم و الأخلاق فالمؤشرات تحتاج أن يفرد لها مقالات عديدة لا يسع مقال واحد ان يلم بجوانبها كافة و مدى تأثيرها القريب و البعيد في المجتمع السوري و أي مجتمع ستفرزه الحرب.
إن كل إنجازات الحضارة الإنسانية و التقدم الذي أحرزته سيهدم إذا ما لم يطرق جرس الإنذار أما هذه الظواهر التي تتفاقم يوماً بعد يوم في مجتمعنا السوري و خاصة ظاهرة التطرف في كلا الاتجاهين إن كان دينياً أو انفلاتا من القيم على المستوى الفردي و الجماعي أيضاً ، فانقياد الشباب للأفكار الغير مسؤولة و الاستقطابات السياسية نتيجة لاستمرار الحرب في سوريا و في ظل غياب شبه تام لمشروعات حضارية فكرية من قبل النخب إن كانت سياسية او دينية او مجتمعية في السلطة أو المعارضة و التركيز فقط في الصراع الحالي و ما يخلفه من نزعات سياسية و تحريض إعلامي .
إن عدم الإعتراف بحدوث هذا الإنهيار و التهوين بغرض عدم تحمل المسؤولية من جميع الأطراف و خاصة النخب لن يقلل من تراكمها فالنهضة وقودها إدراك و استشعار قيم مثل الكرامة و الحرية و العدالة و الهوية و الانتماء و المسؤولية الجماعية ولا يمكن حصر هذه القيم مطلقاً بالجانب السياسي لمفهوم الانتماء و الهوية الوطنية و إنما تبدأ من علاقاتنا كأفراد و علاقة الأسرة بالمجتمع ككل كمكمل للهوية السياسية لبلدنا.




شاركه على جوجل بلس

عن Editor

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 التعليقات:

إرسال تعليق